وظيفة الهدف في حياة الإنسان -جريدة مصر العربية

 

بقلم / محمـــد الدكـــروري

 

الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا وباعث الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، والحمد لله الذي رضى من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله وصفيه وحبيبه أما بعد إن وظيفة الهدف في حياتنا هي إستثمار اللحظة الماثلة على أفضل وجه ممكن، وإن ملامح خلاص جيلنا والجيل القادم على الأقل من وهن التخلف والإنكسار قد تبلورت في أمرين وهما المزيد من الإلتزام بالمنهج الرباني، والمزيد من التفوق، ولا نستطيع أن نجعل هذين الأمرين حقيقة واقعة في حياتنا من غير تحديد أهداف واضحة، وكما أن هناك سمات مطلوبة في الهدف.

 

ومنها المشروعية، حيث أن مجمل أهداف المرء في الحياة، يعادل على نحو تام، أي إستراتيجية العمل لديه، ولذا فإن الذين لا يأبهون لشرعية الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها يحيون حياة مضطربة ممزقة، تختلط فيها عوامل البناء مع عوامل الهدم، وينسخ بعضها بعضها الآخر، فإن الهدف غير المشروع، قد يساعد على تحقيق بعض النمو في جانب من جوانب الحياة، لكنه يحط من التوازن العام للشخصية، ويفجّر في داخلها صراعات مبهمة وعنيفة، وليس المقصود بشرعية الهدف أن يكون معدودا في المباحات فحسب، وإنما المقصود أن يكون مندمجا على نحو ما في الهدف الأسمى والأكبر الذي يحيا المسلم من أجله على هذه الأرض، ألا وهو الفوز برضوان الله تبارك وتعالى وهذا يعني أن الأهداف المرحلية والجزئية للواحد منا يجب ألا تتنافر معه. 

في وضعيتها أو مفرزاتها أو نتائج تفاعلها، ولعل من علامات الإنسجام بينها وبين الهدف الأكبر هو شعور المرء أنه يحيا حياة طيبة وهي لا تولد من رحم الرخاء المادي، ولا من رحم التمتع بالجاه أو الإستحواذ على أكبر كمية من الأشياء، وإنما تولد من ماهية التوازن والإنسجام بين المطالب الروحية والمادية للفرد، ومن التأنق الذي يشعر به من يؤدي واجباته، والهدف المشروع هو عامل كبير في إيجاد التطابق بين رموزنا وخبراتنا، وهو إلى ذلك مولد لما نحتاجه من حماسة للمضي في الطريق إلى نهايته، وكما أن من السمات المطلوبة في الهدف هو الملاءمة، حيث أن لكل منا طاقاته وموارده المحدودة، وله ظروفه الخاصة، وله إلى جانب ذلك تطلعات وتشوفات، ومن الواضح اليوم أن الحضارة الحديثة أوجدت لدى الناس طموحات فوق ما هو متوفر من إمكانات لتلبيتها. 

 

وهذا يؤدي بكثير من الناس إلى أن يسلكوا طرقا غير مشروعة لتلبيتها، أو يؤدي بهم إلى الشعور بالعجز والإنحسار، والهدف الملائم، هو ذلك الهدف الذي يتحدى ولا يعجز، ومعنى التحدي دائما هو طلب تفجير طاقات كامنة أو إستخدام موارد مهملة، لكنها جميعا ممكنة، وحين يكون الهدف سهلا فإنه لا يؤدي إلى حشد إمكاناتنا الذاتية، ولا إلى تشغيل أجهزتنا النفسية والعقلية، كما لو أننا طلبنا من شخص أن يقرأ في كل يوم ربع ساعة، أو يستغفر عشر مرات، وفي المقابل فإن الهدف الكبير جدا يصد صاحبه عن العمل له، وفي هذا السياق نرى كثيرا من أهل الخير، يشعرون بالإحباط، ويشكون دائما من سوء الأحوال، وتدهور الأوضاع، وهذا نابع من وجود هدف كبير لديهم هو الصلاح العام، لكن ليس لديهم أهداف صغيرة، أو مرحلية تصب فيه. 

 

وإن كل هدف صغير يقتطع جزءا من الهدف الكبير، ويؤدي إلى قطع خطوة في الطريق الطويل وعدم وجود أهداف صغيرة، يجعل الهدف النهائي يبدو دائما كبيرا وبعيدا، وهذا يسبب آلاما نفسية مبرحة، ويجعل المرء يظهر دائما بمظهر الحائر العاجز، وإنه لا يأتي بالأمل إلا العمل، وقليل دائم خير من كثير منقطع،


أضف تعليق

كود امني
تحديث

كاريكاتير