الخطر الذي نراه ونتجاهله حين يصبح الصمت شريكًا في الجريمة_مصر اليوم العربية

 

بقلم د. عاشور غريانى

في زحام الحياة وتسارع الأحداث، تتسلل أخطر التهديدات إلى مجتمعاتنا لا من بوابة العنف المباشر، بل عبر الاعتياد، والتجاهل، والتبرير. إن الخطر الحقيقي لم يعد ذلك الذي يفاجئنا، بل ذاك الذي نراه يوميًا، ونمر عليه مرور الكرام، حتى يصبح جزءًا من المشهد، فنفقد الإحساس بخطورته.


خطر الاعتياد على الخطأ
أخطر ما يواجه المجتمعات هو تطبيع الخطأ. حين نعتاد رؤية الفساد الصغير، أو السلوك المنحرف البسيط، أو التجاوز الأخلاقي العابر، دون اعتراض أو مساءلة، نفتح الطريق واسعًا لانهيارات أكبر. فالخطأ الذي لا يُواجَه، يكبر، ويتحول من استثناء إلى قاعدة، ومن سلوك فردي إلى ظاهرة عامة.
صمت المجتمع… الخطر الخفي
الصمت لم يعد موقفًا محايدًا، بل أصبح مشاركة غير مباشرة. حين نشاهد ظلمًا ونصمت، أو نرى إساءة ونتجاهلها، أو نسمع عن جريمة ونختار عدم التدخل، فإننا نمنح الخطر فرصة الاستمرار. الصمت هنا ليس سلامًا، بل تواطؤ غير معلن، يُغذي الخلل ويمنحه الشرعية.
الإعلام وازدواجية الوعي
يلعب الإعلام دورًا مزدوجًا في تشكيل الوعي الجمعي. فبينما يستطيع كشف المخاطر والتحذير منها، قد يساهم أحيانًا في تمييعها، عبر التكرار دون تحليل، أو الإثارة دون حلول. الخطر الذي يُعرض بلا معالجة، يتحول إلى مادة استهلاكية، يفقد معها الجمهور الإحساس بجدّيته، فيتعامل معه بلا اكتراث.
الخطر الاجتماعي قبل الأمني
ليست كل المخاطر أمنية بالمعنى التقليدي. فالتفكك الأسري، وتراجع القيم، وانتشار اللامبالاة، وضياع القدوة، كلها أخطار صامتة، تتسلل إلى نسيج المجتمع ببطء، لكنها تترك آثارًا أعمق وأطول مدى. إنها قنابل مؤجلة، لا تنفجر دفعة واحدة، بل تُنهك المجتمع على المدى البعيد.
مسؤولية الفرد… بداية المواجهة
المواجهة لا تبدأ بقرارات كبرى فقط، بل بمواقف صغيرة. كلمة حق، اعتراض واعٍ، تربية سليمة، رفض للتجاوز، دعم للقيم، كلها أدوات بسيطة لكنها فعّالة. فالمجتمع الذي يملك أفرادًا واعين، لا يسمح للخطر أن يتحول إلى واقع دائم.
الخاتمة
إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس ما نجهله، بل ما نعرفه جيدًا ونتجاهله. الخطر الذي نراه كل يوم دون أن نواجهه، لا يختفي، بل ينتظر اللحظة التي يصبح فيها أقوى من قدرتنا على السيطرة. فإما أن نواجه الآن، أو ندفع الثمن لاحقًا… مضاعفًا.


أضف تعليق

كود امني
تحديث

كاريكاتير